الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

111

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

بصنعته اللباس عن العبث وما تخرجه إليه الكفاية ، ومنها أنهّ يستريح إلى خلع كسوته إذا شاء ولبسها إذا شاء ، ومنها أن يتخذ لنفسه من الكسوة ضروبا لها جمال وروعة فيتلذذ بلبسها وتبديلها ، وكذلك يتخذ بالرفق من الصنعة ضروبا من الخفاف والنعال يقي بها قدميه ، وفي ذلك معائش لمن يعمله من الناس ومكاسب يكون فيها معائشهم ، ومنها أقواتهم وأقوات عيالهم ، فصار الشعر والوبر والصوف تقوم للبهائم مقام الكسوة والأظلاف والحوافر والأخفاف مقام الحذاء ( 1 ) . « وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلّا سواء » في اشتمال الكل على حكم لا تعدو كشف الجميع عن مدبر قادر ، قال تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خلَقْهَُ ثُمَّ هَدى ( 2 ) . وفي ( توحيد المفضل ) : تأمّل وجه الذرة الحقيرة الصغيرة هل تجد فيها نقصا عمّا فيه صلاحها ، فمن أين هذا التقدير والصواب : في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره . فكّر يا مفضل ، في هذه الأشياء التي تراها موجودة معدة في العالم من مآربهم ، فالتراب للبناء ، والحديد للصناعات ، والخشب للسفن وغيرها ، والحجارة للارحاء وغيرها ، والنحاس للأواني ، والذهب والفضة للمعاملة والذخيرة ، والحبوب للغذاء ، والثمار للتفكهّ ، واللحم للمأكل ، والطيب للتلذذ ، والأدوية للتصحّح ، والدواب للحمولة ، والحطب للتوق ، والرماد للكلس ، والرمل للأرض ، وكم عسى أن يحصي المحصي من هذا وشبهه . أرأيت لو أن داخلا دخل دارا فنظر إلى خزائن مملوّة من كل ما يحتاج إليه الناس ورأى ما فيها مجموعا معدّا لأسباب معروفة ،

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 96 - 107 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) طه : 50 .